حكم الوضوء من الماء الذي يستعمله غير المسلم
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
أبو الحارث عماد الجزائري
آخر تحديث منذ ٤ أعوام
السؤال:
رسالة وصلتنا من العراق، من المستمعة تغريد، ضمنت رسالتها مجموعة من الأسئلة، تبدأها بهذا السؤال، تقول في رسالتها: أنا معلمة في منطقة بعيدة عن سكن الأهل، تستوجب وظيفتي أن أسكن في سكن المعلمات الذي خصصته الحكومة لنا، كان من ضمن المعلمات اللواتي معي في نفس الغرفة معلمة غير مسلمة، وهي تشاركني في الأكل والشرب، وكذلك في ماء الغسيل، لأننا نجلب الماء من الشاطئ، ونخزنه، فأنا أضطر في صلاة المغرب أن أتوضأ من هذا الماء، لأنني أخاف الخروج ليلاً إلى النهر، وخاصة أن المنطقة ريفية وموحشة ليلاً، وبقيت على هذا الحال أربع سنوات، فهل صلاتي صحيحة، وأيضاً هل معاشرتي لها صحيحة، أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم؟
الجواب:
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، هذا السؤال تضمن سؤالين، السؤال الأول عن حكم استعمال الماء المخزن بينكما، أي: بين المرأة السائلة وبين من كانت معها وهي غير مسلمة، فهذا الماء المخزن طاهر مطهر، وذلك لأن بدن الكافر ليس بنجس نجاسة حسية، بل نجاسة الكافرة نجاسة معنوية، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «إن المسلم لا ينجس»، وعلى هذا فيجوز للإنسان أن يتوضأ بالماء الذي خزنه غير مسلم، وكذلك يجوز أن يلبس الثياب التي غسلها غير مسلم، وأن يأكل الطعام الذي طبخه غير مسلم، وأما ما ذبحه غير المسلمين، فإن كان الذابح من اليهود والنصارى فذبيحته حلال، لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: طعامهم: ذبائحهم. ولأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الشاة التي أهدتها له اليهودية، وأجاب يهودياً على إهالة سنخة، وخبز شعير، وأقر عبد الله بن مغفل على أخذ الجراب من الشحم الذي رمي به في فتح خيبر، فثبت بالسنة الفعلية والسنة الإقرارية أن ذبائح أهل الكتاب حلال، ولا ينبغي أن نسأل كيف ذبحوا، ولا هل ذكروا اسم عليه أم لا؟ فقد ثبت في صحيح البخاري، عن عائشة رضي الله عنها، أن قوماً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه، أم لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سموا أنتم، وكلوا». قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر. يعني: أنهم جديدو الإسلام. ومثل هؤلاء قد تخفى عليهم الأحكام الفرعية الدقيقة التي لا يعلمها إلا من عاش بين المسلمين، ومع هذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء السائلين إلى أن يعتنوا بفعلهم هم بأنفسهم، فقال: «سموا أنتم وكلوا»، أي: سموا على الأكل، وكلوا، وأما فعله غيركم ممن تصرفه صحيح فإنه يحمل على الصحة، ولا ينبغي السؤال عنه، بأن ذلك من التعمد والتنطع، ولو ذهبنا لنلزم أنفسنا بالسؤال عن مثل ذلك، لأتعبنا أنفسنا إتعاباً كثيراً لاحتمال أن يكون كل طعام قدم إلينا غير مباح، فإن من دعاك إلى طعام، وقدمه إليك، فإنه من الجائز أن يكون هذا الطعام مغصوباًَ أو مسروقاً، ومن الجائز أن يكون ثمنه حراماً، ومن الجائز أن يكون اللحم الذي ذبح فيه لم يسمّ الله عليه، وما أشبه ذلك، فمن رحمة الله تعالى بعباده أن الفعل إذا كان قد صدر من أهله، فإن الظاهر أنه فعل على وجه تبرأ به الذمة، ولا يلحق الإنسان فيه حرج، وأما ما تضمنه السؤال من المسألة الثانية، أو السؤال الثاني، وهو معاشرة هذه المرأة الكافرة، فإن مخالطة الكافرين إن كان يرجى منها إسلامهم، بعرض الإسلام عليهم، وبيان مزاياه وفضائله، فلا حرج على الإنسان أن يخالط هؤلاء، ويدعوهم إلى الإسلام، ببيان مزاياه وفضائله، وبيان مضار الشرك، وآثامه وعقوباته، وإن كان الإنسان لا يرجو من هؤلاء الكفار أن يسلموا، فإنه لا يعاشرهم لما تقتضيه معاشرتهم من الوقوع في الإثم، فإن المعاشرة تذهب الغيرة والإحساس، وربما تجلب المودة والمحبة لأولئك الكافرين، وقد قال الله عز وجل: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، ومودة أعداء الله ومحبتهم وموالاتهم مخالفة لما يجب على المسلم، فإن الله سبحانه وتعالى قد نهى عن ذلك، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾، ولا ريب أن كل كافر فهو عدو لله، وعدو للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فكل كافر فهو عدو لله، ولا يليق بمؤمن أن يعاشر أعداء الله عز وجل وأن يوادهم ويحبهم، لما في ذلك من الخطر العظيم على دينه، وعلى مِنْهاجه، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، والعصمة مما يغلبه.
المصدر: سلسلة فتاوى نور على الدرب > الشريط رقم [139]
الطهارة > فروض الوضوء وصفته
الطهارة > المياه
رابط المقطع الصوتي :
